٥٠ دولار تساوي ٣٠٠ مليون مشاهدة

يعود تاريخ التسويق المدفوع إلى القرن الثامن عشر، حيث بدأ البشر بدفع الأموال للتسويق عن منتجاتهم، وقد جرت العادة على أن يكون تعبيرحملة تسويقيةمرادف لمبالغ ضخمة يدفعها أصحاب العلامات التجارية للترويج عن منتجاتهم وزيادة نسبة مبيعاتها.  مع تطوّر الوقت، تتطور الأساليب التسويقية، ومع تطوّر هذه الأساليب، ترتفع ميزانيات التسويق، حتى وصلنا إلى مرحلة نقرأ فيها أن قيمة حجز ٣٠ ثانية في مساحة تلفزونية خلال نهائي كرة القدم الأمريكية يبلغ ٤،٥ مليون دولار، ولا نستغرب من هذا الرقم وضخامته أبداً. نادراً ما يتحدث المسوّقين ومحبي التسويق عن غلاء هذه الأسعار أو عن أسباب ارتفاعها ، بل إنهم يستمتعون بتبادل تلك الحملات الدعائية، ويقومون بدراسة سلوك المستهلك وتقييم الإعلانات التي تبث عبر هذه القنوات المكلفة، ولا تجد تلك الأسعار أي معارضة تستحق الملاحظة حتى في أسوء الأزمات الاقتصادية.

يبرر البعض أن غلاء إنتاج الحملات الإعلانية هو نتيجة تطوّر المنصّات والتكنولوجيا التي يستخدمها المسوقّين في هذا العصر،  فإنتاج المحتوى وتنقيحه وتصويره ونشره في إحدى المنصات الرقميةك(يوتيوب) مثلاًمكلف جداً إذا كانت الشريحة المستهدفة شريحة كبيرة. ذلك التبرير صحيح بعض الشيء، ولكنه ليس قاعدة عامة، فبعض الإبداع وقوة الملاحظة كفيلة بأن تصنع تجربة تستحق الدراسة، كالتي ساستعرضها عليكم الآن.

قامتوم ديكسونبإنشاء شركةبليندتكعام ١٩٩٩، وكانت الشركة تُعنى بصناعة الخلاطات الكهربائية، كالتي تُستخدم لطحن الحبوب أو لصنع العصائر. الخلاطة الكهربائية التي صنعها توم كانت فائقة الأداء، وعلى قدر عالي من الجودة، بل لم يكن لها مثيل في الأسواق حينها. كان عيبها الوحيد هو بأنها لم تحقق مبيعات عالية، ولم  تكتسح الأسواق أو تنتشر كما كان متوقعاً منها.

استعان تومبجورج رايتوعيّنه رئيساً لقسم التسويق في الشركة بهدف نشر قصة الخلاطة الكهربائية وزيادة الوعي تجاهها. وفي أيامه الأولى من توليه للمنصب، ذهب جورج إلى المصنع ليتعرف أكثر على المنتج الذي هو بصدد ابتكار حملة إعلانيه له. لاحظ جورج بأن أرضية المصنع مليئة بنُشارة الخشب، وقد استغرب ذلك، حيث أن صناعة الخلاطة الكهربائية وكل الخطوات التي تمر بها قبل عرضها للبيع لا تحتوي على أي نوع من أنواع الخشب!!

اتضح لجورج بعد تحري الأمر بأن توم يتواجد في المصنع بشكل يومي، ويحاول يومياً بأن يختبر جودة الخلاطات من خلال وضع قطعتان عريضتان من الخشب، ويقوم بعدها بتشغيل الخلاطة، ويجب عليها أن تحوّل تلك القطع إلى نُشارة خشب لتتخطى اختبار الجودة.

خرج جورج من المصنع يشع بنور فكرته، وأتى لاحقاً يحمل قطعاً زجاجية، وبعضاً من الرخام، وكرات الغولف الصلبة، ومعطف المختبر الأبيض. طلب جورج من توم بأن يلبس المعطف، وقام بوضع آلة التصوير أمامه، ثم طلب منه أن يكرر فعلته بتلك القطع التي أتى بها، كما لو أنها قطع الخشب التي يستخدمها لقياس جودة الخلاطة، وهنا كانت المفاجأة.

تمكنت الخلاطة من خلط الزجاج، ومن ثم الرخام، بل وحتى كرات الغولف، وتحويلها جميعها إلى مساحيق ناعمة، أو ما يسمى ب(البودرة)، كل على حدة، من دون أن يتأثر المنتج أو يظهر أي علامة من علامات الضعف أو الفتور. قام جورج بتحميل تلك الفيديوهات على موقع اليوتيوب، وكانت النتيجة ٦ ملايين مشاهدة خلال أسبوع. كان عنصر المفاجأة هو الدافع الأول لتلك المشاهدات، فمن منّا يتخيل بأن خلاطة كهربائية تستطيع خلط قطع رخام أو كرات الغولف الصلبة وتحويلها إلى حبيبات دقيقة؟ يأتي بعد عنصر المفاجأة عنصر الفضول: هل سيستطيع المنتج من أن يطحن مواد أخرى أقوى كالهواتف مثلاً أو سيف الساموراي ؟؟ تلك الأسئلة قام جورج بإجابتها من خلال إنشاء سلسة (يوتيوبية) بعنوان will it blend ، يستعرض عبرها إمكانية الخلاط من خلط أو طحن المنتجات التي قام المشاهدين باقتراحها في قسم التعليقات.

عنصر المفاجأة الذي نتجت عنه الدهشة، وعنصر الفضول الذي نتجت منه الأسئلة، وعنصر الغموض الذي كان يستبق كل حلقة من will it blend، أدّى إلى انتشار المنتج وزيادة الوعي به عبر (التداول الشفوي)، وكانت النتيجة ٣٠٠ مليون مشاهدة للبرنامج وزيادة في المبيعات وصلت إلى ٧٠٠ في المئة. لم يطلب المنتجين من المشاهدين أن يشتروا الخلاطة، واكتفوا بعرض قوة منتجهم فقط، فأصبحت الجودة هي دافع لنشر قصة المنتج ولزيادة مبيعاته.

اليوم، يشمل قسم التسويق فيبليندتكقسم للمبيعات، و يعتبر مصدراً آخر لدخل الشركة،  فما يحققة قسم التسويق عن طريق اليوتيوب بهذا العدد من المشاهدين يصل إلى مبالغ لا يمكن الاستهانة بها، كما أنه يضيف إلى مصادر دخل الشركة عبر الدورات التدريبية واللقاءات التلفزونية والمؤتمرات التي يُدعى لها جورج. هكذا، وحين يكون قسم التسويق منافساً لقسم المبيعات، أو جزءاً منه، تكون هذه التجربة مثالاً جميلاً على روعة التسويق وقوّته.

خمسين دولارأي ما يعادل أقل من ٢٠٠ درهم اماراتي !! – كانت بداية نجاح هذه الحملة، فإذا عدنا لذلك اليوم الذي خرج به جورج من المصنع لشراء المواد التي استخدمت في الفيديوهات الأولى، بما فيهم معطف المختبر الأبيض، سنرى بأن تلك الحملة كلّفت ٥٠ دولاراً فقط.

انضم لبريدنا الإلكتروني

454fca91 d583 44c9 86d3 d711484aed56

التسويق بأجمل تفاصيله

قليل منا يكفي ، وقليلنا لا يقال عنه قليل Powered by ConvertKit